(2) ويوم ما قمنا…أقعدنا تاني

البداية

الأيام دي ماكنش فيها حكومة، اللجان الشعبية كانت هي الحكومة. الكائن الثورجي المثالي بيقضّي تمارين الصباح كظابط مرور برفع الذراعين مع معاينة متكررة بالخبط على الكبوت الخلفي للعربية اللي بتتلكّك في السواقة وتمارين الأصابع للّي بيخالف، بعدين يطلع على المسيرات ويقوم بتمارين قاسية للأحبال الصوتية ويفك رجله بالمشي لمسافات طويلة وأحياناً حمل أوزان ثقيلة، بعدين يطلع على الشارع بتاعهم ينضّفه، يدوبك المغرب ييجي، يشهر سلاحه ويسد الشوارع بكل ما توفّره له البيئة المحيطة به، وتبدأ ليلة أخرى من ليالي اللجان الشِعبية. وهنا برضه يتجلّى استعمال جديد لصناديق الأونيكس غير كونها صناديق حاجه ساقعة أو حافظات للتلج أو صناديق زبالة خاصة….إلخ.

الظروف في الأيام دي حسّست الواحد إنه مسؤول من وعن البيئة اللي عايش فيها. لإنه بيعمل كل حاجه تقريباً وبقى في احساس بشبه اكتفاء ذاتي من الحكومة القديمة، فده أثّر بالإيجاب على ثباته على مطالبه. ولكن من جهة أخرى وفي نفس الوقت مكنش عنده اختيار تاني أو وسيلة أخرى للدفاع عن نفسه؛ لو طلع البيت دلوقتي، وقال أنا مالي أو ماحطّش الموضوع في أولويّاته، حيلاقي حرامي في قلب بيته، إن ماكنش أكتر. وده يخلّينا نفكر: هل الناس بعد “الثورة”-وإنت منهم- فعلاً بتفكّر لقدّام ؟ ولّا في معظم الأحيان القرارات وليدة لحظتها والناس بِتبُص تحت رجليها؟ وفكر كده بموضوعية وحيادية بينك وبين نفسك، هل فعلاً المصري قبل 25 يناير مش زي المصري بعد 25 يناير؟ طب مختلف في إيه؟

لمّا نيجي نبص للوضع الحقيقي للثورة (أو الثورات عموماً) حنلاقي إن المؤمنين بروح الثورة الحقيقية واللي بيخطّطوا ليها فئة صغيرة من حيث العدد (بغض النظر عن توجّهاتهم طبعاً) وعموم الناس بتحرّكهم المشاعر أكتر من أي خطة مُحكمة للتجمع والتظاهر، لأنه مشغول في أكل عيشه والهم المتلتل فوق راسه، ومستنّي الوضع يتغيّر وهو جنب الحيط (وأنا أؤكد لك إنك لو مسئول عن بيت وعيال،  ومرتب يوم = أكل يوم ومصاريف وتسديد أقساط؛ حتفكر مرة و2  و10  قبل ما تسيب شغلك وتروح تقف مع شويّة ناس محدّش فيهم حينفعك ولا حيسدّد لك ديونك). وحنلاقي برضه إن السبب في الاندلاع الكامل للثورة عادةً هي الحكومة ذات نفسها، لإنها لم تلتزم بنمط انحطاط ثابت ومعيّن في التعامل، بل تقفز مرّة واحدة على فعل نسبياً أكثر بشاعة من اللي متعوّدين عليه. وفي حالات أخرى الحكومات نفسها بتجرّأ الشعب عليها بإنّها تورّي الناس إنّها ضعيفة أو مش قد الموقف…اللي أحياناً بتعبّر عنه باستخدام مفرط للعنف فتقفل بكده الدايرة على نفسها. في مصر الدايرة اكتملت باندلاع الثورة في تونس. فالعوامل كانت كالآتي: 1) استغلال جيد لنشر تاريخ يوم الناس تنزل تقول فيه “لأ كفاية”. 2) الناس مشحونة مشاعر غضب وزهق. 3) الحكومة ورّت الناس ضعفها فالناس بقى عندهم جرأة عليها أكتر.

فده نتج عنّه إيه؟ إن في يوم 25 يناير مستخدمين الفيس-بوك وما استطاعوا من سحبه من أهاليهم وأصدقائهم نزلوا. ومع إنها ثورة 25 يناير إلّا إن النزول الشارع  للشارع عملياً بدأ من يوم 28، وكانت بداية المسيرات نسبة الشباب فيها أعلى بحكم إنّه شباب، الحمِيّة عندهم أعلى، حركتهم أخف، ولإنهم أكتر مستخدمين الفيس-بوك في مصر، بعديها بدأ الناس تتشجع أكتر وأكتر إنهم ينزلوا للأسباب السالف ذكرها. فوصلت التظاهرات للعدد الضخم اللي شفناه أو كنّا سبب فيه. لكن على الجانب الآخر، الناس لم تتشرب بعد ولحد دلوقتي فكر الثورة الحقيقي، فكر إن الثورة تكون على نظام وليس الثورة على فرد أول ما تنحّى الناس يللا بيتك بيتك. إلّا قلّة قليلة بس هي اللي أصابتها أحداث الثورة بمرض التغيير ومش ناويين يرجعوا جنب الحيط تاني، واللي لو المرض ده ما لم يتفشّى في جميع طبقات المجتمع سيتم علاجه واستئصاله أو مع الوقت حيتضائل وسيتم اكتساب مناعة ضدّه. طب إيه الاستدلال على الكلام ده؟

اولاً: التغيير اللي حصل ما كنش في حسبان نسبة كبيرة من الناس بحكم عدم إيمانهم بالقضية، وإن لازم نعترف إن في ناس كتير أوي لم تعر للموضوع اهتماماً إلّا لمّا شافت الوضع المقلوب قدّامها يوم 28. فهو نزل يفرّغ اللي جوّاه من احساس بالظلم والقهر، ولإنهاء حالة الفوضى. لكنّه في نفس الوقت لم يتشبّع بإن الثورة تبدأ منّه هو نفسه، من جوّاه مافيش إحساس إن دي الثورة بتاعتي أنا وعشاني أنا، لإنّه مفكّرش وماكنش بيفكّر يثور، ولإنّه ما كنش موجود من أول يوم. ولإنّه كان موقفه من الثورة (زي أحداث كتير قبل لها) مصدر المراقب حتّى مش المترقّب، زي ما بيعمل مع ماتش الكورة.

ثانيا: بعض الأصوات بدأت تتعالى (وخصوصاً اللي بيشتغلوا باليوميّة) لمّا لقوا الوضع طوّل، وبدأ يمسك في وعود مبارك بتحسين الأوضاع وتصديق خطاباته، كأن مثلاً لسّه عارفه النهاردة، أو أول مرة يسمع له خطاب ملىء بالوعود،( أصل “وكالات الاقتصادية الأمريكيّة” “أثبتت” إن مبارك حقق لشعبه “أعلى” معدّلات الرخاء). ولمّا شفيق مسك رئيس وزراء، قال لك إنه الحكومة القديمة مشت فيللا نرجع بيوتنا، لأن الريّس بتاعنا كويّس بس الناس اللي حواليه وحشين. وتلك الأصوات وصلت ذروتها وأثرت بالسلب على ميدان التحرير نفسه بعد خطاب سيّد العاطفي (الحمد لله، موقعة الجمل عدلت الموازين شويّة). وأخيراً الناس رجعت لمزاولة حياتها الطبيعيّة من بعد ما مبارك مشى. مع إن هدف الثورة هو “إسقاط النظام كلّه” مش ” بعض من رموز النظام”.

ثالثاً: المطالب الفئويّة: يعني إيه مطالب فئويّة؟ يعني فئة أو مجموعة من الناس طالعة بتنادي بمطالب معيّنة. طب إيه المشكلة؟ وإيه العلاقة؟! الثورة هي عبارة عن وحدة بين الشعب واتفاقهم على مطلب معيّن والضغط بجميع فئاته وطوائفه وقوّته لتحقيق هذا المطلب إلا إن ينتهي باسقاط النظام الحاكم إن لم يكن هذا هو المطلب من أساسه. وسبب إن الوضع وصل للتردّي والسوء ده هو إن كل واحد في حاله أو خايف وجنب الحيط. فالفئات استغلّت معرفة طريقهم للشارع بالهتاف لمطالب فرعيّة، الناس دي مش فاضية فعادة حينزل في تظاهرة واحدة، فاختياره الطبيعي حيبقى للمظاهرة القريبة إلى نفسه وتحقيق مطالبه أسرع. طلباته فرعيّة لكن مش ثانويّة. وتحقيقها آني أكتر. ولو مطالبه تحققت في ظل الحكومة الحاليّة حيبقى مبسوط و10 على 10. فالظغط بدل ما هو في الوسط حيبقى في أماكن أخرى وبضعف. فبالسيطرة على الفئات دي بمسكّنات حينيّمها ومع الناس اللي حواليها كمان اللي هو عائلتهم وذويهم. فكده الضغط خف على الحكومة والناس اللي بتتظاهر قلّ عددها. ومع الوقت المتظاهرين دول حيبقوا قلّة مندسّة ويجب عقابهم. وتبدأ دورة حياة جديدة لنظام مستبد جديد.

رابعاً: سألت نفسك قبل كده المظاهرات كانت كام واحد؟ المقال ده بتاريخ 2/2/2011 كان فيه أكبر عدد لقيته وهو 8 مليون كمجموع لأعداد المتظاهرين في مصر كلّها. طب مصر فيها كام؟ حسب الرسم البياني ده، مصر فيها أكتر من 84.5 مليون. حنقول الفكّة ناس غير قادرة على المشاركة لأسباب صحية. حيتبقّى 9/10 الشعب لم يشارك في المظاهرات. وإن 1/10 من الشعب بس هو اللي أجبر مبارك على التنحّي. ده غير إن قد إيه من العُشر دول فعلاً مؤمن بالثورة من داخله وناوي يموت عشانها؟ده يخلّينا لا نستغرب أنفسنا ولا نستعجب من الوضع الحالي الذي نحن فيه الآن نهائياً. ولكن في نفس الوقت نفكّر: أمّال لو نص الشعب بس نزل، إيه اللي ممكن نعمله؟ ونعمل إيه عشان ده يحصل؟

المهم، نرجع بعد فاصل طويل لموضوعنا عن اللجان الشِعبية. إحساس الناس بالخطر المحدق خلّاهم شكّاكين أوي، ومع دمج الشعور ده مع شعور الشخص إنه مسؤول عن المنطقة بتاعته وأهله وناسه، بدأ يتخلق عنده تلقائي بعض التطرف في بعض التصرفات. فمثلاً في منطقة “راقية” في اسكندرية جنبها على طول منطقة الشباب النايتي بيسمّوها “بيئة” أو “لوكال أوي”. ومن العادي جداً المرور بالمنطقة الأولى للعبور للتانية. حماة المنتكة النايتي تلاقي معاه مضرب جولف، أو مضرب بيسبول، أو الجامد يبقى مضرب هوكي، والصايع معاه مسدس كهرباء ميني سايز، يوم ما شوفت سيف كان من النوع الزينة المزخرف. إلّا ممكن ساعات مع مستشار هنا أو هناك تلاقي معاه مسدّس… إحساس نسبة كبيرة منهم هو إنهم عندهم كنز علي بابا والناس الأشرار الوحشين متآمرين عليهم عشان ييجوا ينهبوه. ده غير إن معظمهم عمره في حياته كلها ما إتعارك فعلاً. فكان مخيّم جوّ من شَدّة الأعصاب جامدة أوي. المهم، كان في 2 شباب شكلهم “مش قد كده” عدّوا على لجنة من دول فعادي طلّعوا البطايق ومكتوب فيها همّا ساكنين فين. ولكن لإن شكلهم مش كويس وعلى قدهم فلهجة الولد اللي واقف في اللجنة معاهم مكانتش كويّسة وكتّر في الإستجواب والكلام. فبدأت مشادّة عادية بالكلام ولكن تطوّرت بسرعة وأدت في النهاية إلى إن الولدين اتسلّموا للجيش على إنهم بلطجية واتعاملوا معاملة سيئة زي المجرمين. والأسوأ من كده إنهم لمّا رجعوا بقوا معروفين إنهم حراميّة في المنطقة بتاعتهم. المغزى من القصة إن الإحساس بالآخر قولاً وفعلاً من بعد 25 يناير ما يفرقش كتير عن  قبل 25 يناير. الفرق الوحيد هو تكتّل الفئات” المتشابهة” مع بعض. أنا عايزك تحط نفسك مكان شاب من الاتنين وتقول لي إنت حاسس بإيه؟ وشعورك إيه تجاه “الثورة؟ ورزقك اللي إتقطع في منطقتك، مين يعوضك؟ ومتقولّيش ده حدث واحد لإنك ومتأكد شفت موقف الناس فيه مش طايقة بعض، أو احترام المرور الدقيق في غياب الرقيب، أو سوء تفاهم الناس حتى مصبرتش تسمع فيه بعض..أو…أو…أو…عادي بالضبط  زيّ ما كان بيحصل قبل 25 يناير.

بس على النقيض الآخر، معظم اللي نزل التظاهرات وخصوصاً أيام اللجان الشعبية كان في جوّاه إحساس جميل بالأخويّة والقرب من المصري اللي جنبه اللي ميعرفوش. والروح اللي تكوّنت ما بين الشعب والشعب، والشعب والجيش. جه منين؟ ببساطة جه لأن الهدف كان موّحد وإنتوا الاتنين عايزين نفس الحاجه، بنواجه نفس النظام المستبد ونفس البلطجية وبنعمل نفس الحاجات. ومن جهة أخرى اللحظة كانت ملحميّة وملهبة للمشاعر…ولكن مع أوّل تغيّر حصل للسببين دول بدأت تتكوّن فجوة وبدأت توسع مع الوقت، والوحدة بين الناس بدأت تقل وتضمحل. فرجعنا وبعد فترة قصيرة، لحال ما قبل الثورة بالظبط، لأن التغيير اللي حصل كان السبب فيه عوامل خارجية (خارجية بالنسبة للناس مش من خارج مصر) وليس لرغبة الناس نفسها في التغيير. فالمصري قبل 25 يناير هو هو المصري بعد 25 يناير. بس  في تصرّفات وترسّبات فضلت لازم نقف عندها.


يتبع

مقارنة بين الجندي والمخبر


Advertisements

Share with us what you have in mind

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: