(3) ويوم ما قمنا…أقعدنا تاني

البداية

أسباب نزول الناس للمظاهرات وأسباب نزوحهم عنها

وقفة أولى: “أنا قبل الثورة مكنتش فاهم حاجه في السياسة، لكن دلوقتي بقيت حاسس إنّي فاهم كل حاجه والدنيا بقيت عارف ماشية إزاي” سمعت الكلمة دي كام مرة؟ طب قد إيه دلوقتي بقوا يتكلّموا في السياسة سواء في الشارع أو المواصلات أو عالفيس-بوك أو اليو-تيوب أو زيّي هنا في مدوّنة؟ دي حاجه كويسة إن الواحد يبقى أكثر وعياً سياسياً من ذي قبل وده المطلوب، لكن المشكلة “إنه حاسس إنه بقى فاهم” فده خلاه يبدأ يكوّن وجهة نظر عن توجّه سياسي تبنّاه، ويصم أذنيه عن سماع المزيد خصوصاً ممن يتعارض معه، بل ويبدأ في الجدال مع “معارضيه” من منطلق إنه صح ولإثبات إنه صح، مش من منطلق إنه يعرف إيه الصح، ويستخدم بطريقة مبالغ فيها كلمتي الفلول والثورة المضادة. لو جينا نبص على سِلّم المعرفة حنلاقي إنه يبدأ من: مش عارف ومش عارف إنه مش عارف (أكتر ناس بتفتي) => مش عارف وعارف إنه مش عارف (بيبدأ يدوّر على مصدر يستقي منّه المعرفة اللي عايزها ويبدأ يتأثّر بالمصدر وبالمعلومة) => عارف ووصل للهدف اللي عشانه بدأ مهمة البحث عن المعلومة. عادة النموذج ده بيطبّق على استسقاء معلومة واحدة، لكن الإنسان المفروض بيدخل في دوّامة، كل ما تعرف أكتر كل ما تعرف إنك جاهل أكتر وعايز تعرف أكتر. ما يحدث مع النماذج دي من أشباه المثقفين ومدّعين الثقافة إنه بيطلع برّه الدوّامة لظِنّه إنه أخد منها كل ما يمكن أخذه. ويبدأ في التقوقع والتشرنق على آراء مؤيديه وموافقيه، و ده مع الوقت يبدأ في تكوين أفكار متطرّفة بالطبع. والأسوأ من كده أن هذه النماذج تشارك في حملات التوعية السياسية، فيبدأ بالترويج لفكرته بدلاً من إعطاء صورة محايدة ويقرر المستهدف من الحملة أي توجّه يراه هو مناسب ليه. صاحب الثقافة الحقيقي يدرك جيداً أن بحر المعرفة واسع وأن كلمة مثقف هي عبء ثقيل على حاملها، فلا يتقوّل على نفسه أنه مثقف. ومن الحاجات السيّئة جداً المتعلقة بالموضوع ده إن قبل الثورة كان فيه قمع للحرية باسم حفظ الأمن، دلوقتي في قمع للحرية باسم الحرية نفسها. الثورة قامت لإعطاء الحرية لعامة الشعب وهو يختار. لكن تحس إن في ناس خايفة من الديموقراطية. يعني مثلاً تخيّل واحد مش مسلم رشح نفسه للرئاسة, مهما كان كويس ومهما أثبت ده، عمره ما حيكسب لأن الناس ليس لديها قبول لفكرة إن واحد غير مسلم يحكمهم. وده مش حاجه فينا كمصريين بس. فحتى في أوروبا وأمريكا المنفتحين جداً لسّه لم يصلوا بعد لمرحلة انتخاب رئيس لو اتعرف عنه إنه “لا مؤاخذة”. أترك كل مواطن يختار ما يريده هو، وفي النهاية اختيار الشعب هو إفراز وإنعكاس لثقافته ووعيه. وعُمر ما كان الفئة الصغيرة من المجتمع هي التي تفرض رأيها على باقي الفئات والطوائف.

وقفة ثانية: المطالب الفئويّة والتي تكلمت عنها.

وقفة ثالثة: كان في على كورنيش البحر رسم لجملة: الشعب والجيش والشرطة إيد واحدة (أيوه بحر اسكندرية الأبيض المتوسط، المسطح المائي اللي عندكوا في مصر ده إن شاء الله اسمه نهر النيل العظيم). يوم أعدّي ألاقي “الشرطة” مشطوب عليها وتاني يوم الرسم متعدّل والكلمة رجعت. ولكن الكلمة سرعان ما يشطب حد عليها تاني، فيقوموا  بكتابتها تاني…وهكذا. ليه الكابتن ده مصمّم يشطب على الشرطة؟ وليه في ناس كتير بتشاركه نفس المشاعر دي؟ وليه الجندي أو الجيش عموماً له مكانة أعلى عند الناس عن الشرطة والمخبر خصوصاً؟

الشرطة:

المفروض: تتلخص مهام الشرطة حسب الدستور في موقع وزارة الداخلية، وحسب موقع معرفة، في أن الشرطة تسهر على راحة المواطنين، تمنع الجريمة قبل حدوثها لو أمكن، تحقق مع المجرمين وتحبسهم لو مذنبين، تأهيلهم لإنّهم ضحايا كما هم مجرمين، تكفل المواطنين الطمأنينة، وأشياء أخرى خيالية لا تفعلها حتي الأم تجاه ابنها الوحيد.

الواقع: ….من الصعب وصف الواقع، لكن باختصار هو جهاز يطبّق مهامه ولكن لمصلحة فئة حقيرة الضآلة من الشعب وهي الحكومة واخواتها. وكمان أسقطوا بعض تلك المهام، مثل المعاملة الآدمية لحتى المجرمين، لكنها تطبق بحذافيرها مع رموز الحكومة السابقة (وليس النظام السابق لإن النظام مازال قائماً) والفلوس التي صُرفت عليهم حتى الآن في السجن كانت تكفي لحلّ أزمة كام مواطن.

المخبر: هو بمثابة كرة الدم البيضاء في الجسم…..ولكن لمريض سرطان الدم المزمن. عنده كرات دم بيضاء كتيـــــــــــر أوي، كلهم مش فاهمين حاجه، وبيضربوا في أنسجة الجسم نفسه اللي هم موجودين لكي يحموه. والمخبر في الواقع وللسخرية، هو بني آدم برضه زيّنا. ولكن ربنا أعطاه من القدرات الجسدية ما يعوّض عن بساطة تفكيره. بساطة التفكير دي جعلته سهل التلاعب بيه جداً. بساطة تفكير تقف أمامها محتاراً، ويفقد الكلام معانيه، وتعترف إن أخوك اللي عنده 6 سنين مفاهيمه أكثر صحّة. فالمخبر مقتنع يقيناً إنّه في الجانب الخيّر البريء. وأمّا عن سبب وحشيّته في التعامل وعنفه، فطبيعي جاءت من البيئة اللي نشأ فيها وخصوصاً أثناء تأهيله لكي يصبح مخبر. الناتج عن التركيبة دي هي آلة مثالية صمّاء تامّة الإطاعة، وكبش فداء عند الحاجه.

الجيش

المفروض: تتلخص مهام الجيش حسب الدليل لدراسة الجيش في حماية ما داخل الحدود ممّا خارجها في حالة الدفاع. أو القيام بالهجمات علي غير أراضي الوطن في حالة الهجوم. يعني من الآخر شغله يبدأ من الحدود وطالع.

الواقع: الضباط والجيش هم من قاموا بثورة 52 بعمل انقلاب على الملكيّة، والتي اكتشف كثير من الناس والآن فقط إن ثورة 52 العظيمة لم يكن لديها رؤية مستقبلية لوضع مصر، وإنّها سبب كبير لما آل إليه حال مصر الآن. ومن سنة 52 ورؤساء مصر الأربعة كلهم كانوا من الجيش. ومن وقتها كذلك والجيش بيتدخّل في الأمور الداخلية لمصر بدون أي محاسبة من أي جهة عليا، والموضوع بالنسبة لهم طبيعي وعادي وكأنّه من حقّهم وواجباتهم. والجيش كان من زمان وهو ضد التوريث، بس مش حبّا لمصر ولكن لعدم خروج السلطة عن نطاق سلطة الجيش. فيه مواقف كثيرة جداً تثبت الكلام دم، فمثلاً في مقال من جريدة النيويورك تايمز منشور بتاريخ 11/09/2010 والذي يتحدّث عن مصنع القوّات المسلّحة رقم 99 والذي انفجرت فيه غلّاية وتسبّبت في مقتل أحد العمّال، وجرح وحرق 6. العمّال قاموا بإضراب ليطالبوا بظروف عمل أكثر أماناً وتزويدهم بالتأمينات اللازمة والملائمة، لكن وقبل أن يعلوا صوتهم تم تحويلهم جميعاً للمحاكمات العسكرية بتهمة إفشاء أسرار عسكرية، والتعطيل الغير قانوني لخط الإنتاج. الرسالة هنا كانت واضحة، كيان الجيش حاجة وكيانات الدولة كلّها على بعض حاجة تانية. ويضيف المقال إن الجيش أعرب عن تحفّظاته تجاه توريث مبارك لجمال ابنه، وإن طوال السنين الماضية حكم الرجل الواحد للكيانات المدنيّة في الدولة خلق مركزية تحيط بالمنصب ده، اللي الجيش بيملأها. ولذلك ففي عملية التوريث سيخسر الجيش كثير من سلطاته وسطوته. لإن جمال مهما كان مطيع وسار على نهج أبوه فهو مش ابن الجيش (أنصحك تقرأ المقال لإن في تفاصيل مهمة كتير). فالسبب الأساسي لمولاة الجيش للثورة هو اتفاق غايته مع مطلب من مطالب الثورة. الناس للأسف نست أو تناست ووضعت جانباً الكلام ده كلّه، و نست تاريخ المشير الطنطاوي، ونس كمان إن المشير كان أصلاً من الحكومة السابقة، وإن مستحيل المنظومة دي كانت تضع واحد في منصب بالغ الحساسيّة زي ده من غير ما يكون ضامنينه جداً جدًا جداً. والمواطنين رحّبوا بالجيش حينما نزل لنجدتهم بطريقة مبالغ فيها. وسلّموا للجيش كل حاجه وأمّنوا له. دلوقتي بقى الموضوع واضح للعين لكن للأسف بعد فوات الأوان وبعد ما الناس نامت تاني.

الجندي: هو مواطن عادي ولو كنت في الجيش أو دلوقتي بتؤدّي الخدمة فأنت واحد منهم، ولينا ناس كتير في الجيش إما أقارب أو أصدقاء أو أحباء. جندي الجيش عموماً له هيبة، ودي حاجه في الثقافة عندنا بغض النظر عن ما إذا كان متعمّد غرزها في الناس بحكم الكلام السابق أو لأ. من أول الثورة لحرب أكتوبر والمتاحف الحربية والجندي المجهول…إلخ. الناس دايماً تيجي عند الجيش وتقف. ولو إنت طيّار حربي فلك مطلق الحرية إنك تهزّأ وتسب كل عساكر المرور وأحياناً الشرطة بأعلاها رتبة فيهم. هذا كان سبب آخر لترحيب الناس بالجيش لمّا نزل. فممكن تكون قابلت صاحبك في لجنة عسكرية من أيام اللجان الشعبية. أو كان قريبك سائق للدبابة اللي كانت في ميدان التحرير….إلخ. ده خلق جو من الطمأنينة عند الناس تجاه الجيش، ولكن للأسف المجنّد ده لا يملك من الأمر إلّا تنفيذه. بالنظر للوضع الحالي لمصر حنلاقي إن الجيش عمل غلطة فادحة وهو إن أفقد سلطته وهيبته الغير قابلة للمساس سابقاً أمام الشعب بتصرّفاته. وإن شاءت الأقدار إن الجيش يغلط غلطة تقوّم الناس عليه، صعب نفس الخدعة تنطلي عليهم. نظرة الناس للجندي دلوقتي هي نظرة ترقّب ويتخلّلها تخوين، ومع الوقت في حالة ما إذا ظل الجيش سائر على نفس المنوال، المشاعر تجاه جندي الجيش حتبقى زي المشاعر الموجّهة تجاه الشرطة.

بداية من جمعة الغضب يوم 28 يناير، بدأت التظاهرات تتركّز في يوم الجمعة وأصبح لكل جمعة اسم. ولكل جمعة شعار. بدأ تزيين الشوارع والحوائط والجدران بأعلام مصر وشعارات ثورية وحماسيّة. ولكن الوضع بدأ يطوّل، وخطابات مبارك كترت وحكومة شفيق تكوّنت وأقيلت وكذلك حكومة عمر سليمان وبعدين خطاب مبارك العاطفي والذي للمفاجأة كان مؤثراً، ولكن تلاه موقعة الجمل فكانت من أواخر ما جعل المتظاهرين في ميدان التحرير والمراقبين في باقي المحافظات يثبتون على موقفهم. فجاء بيان التنحّي لتنتهي جزأيّاً حالة الفلتان الأمني ويتسلّم الجيش مقاليد الحكم “مؤقّتاً”. ورجع معظم الناس بيوتهم مهلّلين فرحين بانتهاء الأزمة.

جمعة الغضب، جمعة الثأر للشهداء، جمعة الرحيل، جمعة الصمود، جمعة رد الكرامة، جمعة الوفاء، جمعة الغضب الثانية…إلخ. وعلى نفس النهج، الشعب يريد إسقاط النظام، الشعب يريد إعدام الرئيس، الشعب يريد محاكمة العميل…إلخ. وكانت شعارات يطالب بها عموم الجماهير ولكن انتقلت لمطالب أكثر تخصصاً مثل: الشعب يريد دولة إسلامية، الشعب يريد دولة مدنية، الشعب يريد رفع الرواتب…إلخ. للأسف الشعارات دي فقدت هيبتها ورونقها من كثرة استهلاكها فالجمعة الأولى جدّية، والجمعة الثانية كانت استكمال للأولى، وهكذا حتى جمعة أو اتنين كمان. لكن من بعد كده الموضوع أصبح مبتذل والدعوة لنزول لجمعة أخرى أصبح كسماع شريط مسفوف. الذكاء في يوم الجمعة هو إنه أجازة وإن أصلاً مصر اللي غالبيتها مسلمين بينزلوا يصلّوا الجمعة في وقت مثالي جداً لبدأ المظاهرات منّه حتى غروب الشمس. لكن الورقة دي اتحرقت وأصبح التظاهر يوم الجمعة محدّش بيروحه و”شويّة عيال فاضية كده بس بيقفوا”. ودفع الناس للنزول يوم آخر احتمال بعيد ونسبة فشله عالية. نفس الموضوع مع الشعارات، كلمة “الشعب يريد” معناها مصر تريد. لكن ما حدث هو استهلاك للجملة فأصبح يتغنّى بها كل من أراد حشد الأصوات وجمع التأييد.

الناس اللي عملوا كده مفيش لوم عليهم إلى حد كبير. لإنّه من حقّه يروّج لفكرته اللي شايف إنّها صح. المشكلة تكون أضخم في حالة ما إذا كانت الفكرة خطأ. فبدأ تيّارات كتير في اتجهات متضاربة تنادي بجمعات لقضايا مختلفة وشعارها “الشعب يريد……”. فرؤية الشعارات والجمعات وعدم اقتناع المراقب لها بها جعلت تكرارها لما يثير ويمس اهتمامه مكرّر وغير مؤثر. الورقتين المهمّين دول اتحرقوا لإن مفيش توائم واتفاق على مطالب معيّنة بتوقيت زمني محدد فترتّب عليه إن فيه ناس ماشية في تيّار ممكن يكون صح لكن غير قابل للتطبيق إمّا الآن وإمّا أصلاً. أو تيّار فكره من أوله مغالط من الأساس.

حاجه جميلة في الأيام دي كذلك إن الإحساس الوطني بقى عالي جداً الشاوارع مليانة أعلام مصر، ورسوم على الحائط في الشارع، وعلى الفيس-بوك “الوولز”و “صور البروفايل”  أصبحت مليئة بالصور والأغاني والمقاطع المحفّزة، والأسماء أصبحت تبدأ أو تنتهي ب”مصري/ة” أو “Proud Egyptian” وحاجات تانية. التعليق الوحيد هو إن على قد ما الشعور بالوطنيّة حلو وجميل لكن أن يعلق بعض الناس في تلك الدائرة ويلوّنوا الشوارع والرصيف والحوائط وكل شيء بالأحمر والأبيض والأسود، فهذا غير مقبول ويسبّب تلوّث بصري. علم مصر حلو ومعبّر والإبداع يكون في وضعه في الأماكن التي يظهر في أجمل وأكثر هيبة. ونحن في عصر لا ينقصه الفن ولكن ينقصه تذوق للفن، وانحدار في الذوق العام. في رسوم شفتها كانت رائعة. والأحمر والأسود والأبيض كألوان سهل دمجها لتكوين قطعة فنّية تمتّع الناظر ليها.

مصر حصلت فيها ثورة، فلول نظام مبارك وأعداء البلد نجحوا في سعيهم في تنويم الناس وتهدئتهم. وظيفة سعادتك إنك تكوّن حركة مضادة للثورة المضادة، أفضل وسيلة للدفاع عن الثورة بالتخطيط الصح وبنظرة مستقبليّة، بلاش القرارات وليدة اللحظة. طب قول لي خطوات فعلية عملية؟ أنا للأسف حكواتي مش حلّال مشاكل…


ومرحباً بك. قراءة هذه الجملة تعني أنك أنهيت مرحلة قراءة المقال بنجاح (أو فوّت كلام، مش مهم).

Advertisements

Share with us what you have in mind

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: